عبد الملك الجويني
89
نهاية المطلب في دراية المذهب
الحنطة بالحنطة ، والذي ذكرناه في بيع الحنطة بالشعير والمماثلةُ غيرُ معتبرةٍ في مقصود العوضين ، [ فلنقع ] ( 1 ) على ذلك . ولهذا لم نمنع بيعَ المخيض بالزُّبد ؛ فإن المخيض وما هو مقصود من الزبد مختلفان ، لا تعتبر المماثلة بينهما ، والرغوة إن ماثلت المخيض ، فهي ليست مقصودةً . والذي يشير إليه كلامُ الأصحاب أن المقدار اليسيرَ من الشعير ، وإن كان يفرض متموّلاً ، فالأمر كما وصفناه ، إذا لم يكن بحيث يُقصد في نفسه . والأصحابُ لما جوزوا بيعَ المخيض بالزبد ، لم يفرقوا بين القليل والكثير ، وإذا كثُر الزَّبدُ ، فالرغوة قد تبلغ مبلغاً يُطلبُ مثله في جنس المخيض ، ولكن المرعيَّ في الباب [ أن ] ( 2 ) ما يُميَّزُ من الزَّبدِ في الغالب يُبدّدُ ، ولا يُعتنَى بجَمْعه . وإن كثر الزَّبد ، فهذا هو المعنيُّ بقول الأصحاب : الرغوةُ غيرُ مقصودة . والشعيرُ إذا قل بالإضافة إلى الحنطة ، فلا يقصد تمييزها ( 3 ) ليستعملَ شعيراً ، فيتعيَّن التَنبه لهذا . وإذا بَاع الحنطةَ بالحنطة وفي أحد المكيالين من الشعير ما لو مُيّز ، لم يَبِن على المكيال ، فلا مبالاةَ بهذا أيضاً . فإذا اتفق جنسُ المطلوب في العوضين ، وكان في أحدهما جنس آخر ، لو مُيّز لم يَبِن على المكيال ، فلاَ مبالاة به . وإن كان يَبِينُ على المكيال ، لم يضح البيع ؛ لعدم المماثلة في الجنسِ المقصود . وإن اختلف الجنس في العوضين ، وكان ( 4 ) في أحدهما ما يُجانس العوض المقابلَ ، ولكن لم يكن بحيث يُقصد على حياله ، فالبيع صحيح ، ولا نظر إلى التموّل تقديراً ، ولا إلى التأثير في الكيل . أما التأثير في الكيل ، فلا أثر له مع اختلاف جنس العوضين . وأما التموّل ، فلم يُعتبر من جهة أنه مفردٌ غيرُ مقصودٍ ، وشبّه هذا بأخذ المُحرِم الشعرَ من نفسه ، فهو موجب للفدية ، ولو قطع من نفسه عضواً عليها شعر ، لم يلتزم الفِدية ، من حيث لم يجرّد القصدَ إلى إزالة الشعر .
--> ( 1 ) في الأصل : " فليقع " والمثبت من ( ه 2 ) . والمعنى : فلننتبه لذلك . ( 2 ) مزيدة من ( ه 2 ) . ( 3 ) تأنيث الضمير على ملاحظة لفظ " حبات الشعير " . ( 4 ) في الأصل : وإن كان .